عمر فروخ

47

تاريخ الأدب العربي

المعنوي لقيمة النصوص الأدبية عند نقدها للمفاضلة بينها وترجيح بعضها على بعض . ولقد عبّر ابن سلّام الجمحي عن هذا الادراك المعنوي للشعر خاصة بمثل مادي حينما قال ( ص 3 ) : « وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات . . . . ومن ذلك الجهبذة « 1 » بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مسّ ولا طراز ولا حسّ ولا صفة . ويعرفها الناقد عند المعاينة : يعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرّغها « 2 » . . . . وكذلك البصر بالرقيق : توصف الجارية فيقال : « ناصعة اللون جيّدة الشطب نقية الثغر حسنة العين والأنف جيّدة النهود طريفة اللسان واردة « 3 » الشعر ، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار ، وتكون ( جارية ) أخرى بألف دينار وأكثر لا يجد واصفها مزيدا على هذه الصفة » . أصول البلاغة ان الأصل الذي تدور عليه البلاغة هو حسن استعمال المجاز تشبيها واستعارة والبراعة في الاتيان بالصناعة اللفظية من جناس وسجع وطباق وتورية وسواها مع الايجاز والوضوح ، لتأدية المعنى الجليل واضحا بعبارة صحيحة فصيحة تؤثّر في النفس وتعطي كل شعور في القائل أو وصف لبيئته حقّه من التعبير القوي المتين في نفس السامع . واستحسن العرب الكلمة الصحيحة التي تؤدّي المعنى المقصود والفصيحة المأنوسة المألوفة الدائرة على الألسن في الكلام الجيد ، كما استحسنوا التركيب المتين الذي يجري على أسلوب العرب في نسق الجملة وفي التقديم والتأخير . وكذلك استحسنوا أن يكون التشبيه بعيدا والاستعارة قريبة ، ذلك لأن أركان التشبيه ( المشبه والمشبّه به وأداة التشبيه ووجه الشبه ) تكون في العادة مذكورة كلها أو أكثرها في الجملة . فمهما كان التشبيه بعيدا فإنه يظل ملموحا . ولكن بما

--> ( 1 ) الجهبذ ( بكسر الجيم ) : النقاد الخبير . ( 2 ) البهرج : الباطل الرديء ؛ المفرغ : الدينار يثقب ويسحب من داخله شيء من الذهب ثم يملأ مكانه بمعدن آخر أرخص قيمة ؛ الزائف : ما كان فيه غش ، مخلوط بمعدن أقل قيمة ؛ ستوق : بهرج ملبس بالفضة ( درهم يسك من النحاس أو الرصاص ثم يموه بالفضة ) . ( 3 ) الشطب : الطول ، القوام ؛ واردة الشعر : شعرها طويل مسترسل .